Categorized | العربية

الثورات العربية .. صراع المبادئ والأهداف

بقلم  ـ د. عمرو راغب
هناك مشاهد في الثورات العربية تستحق أن يقف عندها المرء ويمعن النظر فيها طويلاً، ذلك أنها تملك كماً هائلاً من الحقيقة التي قد لا يراها البعض، وقد يتعامى عنها البعض الآخر لسبب من الأسباب. مشاهد خزنتها الذاكرة العربية وستحفظها كتب التاريخ، (على الأقل في سجل طياتها المؤقت و قبل أن تطالها أياد التجميل والتزييف)، وستقرؤها ملايين العقول قبل أن يتوقف عندها البعض ليلقي نظرة فاحصة في العمق، فيرى صورة أخرى تتوارى خلف الأولى، وحقيقة حاضرة غائبة يكرهها الجميع، رغم حاجاتهم الماسة لمعرفتها ومواجهتها، وربما مواجهة أنفسهم كذلك.
أحد هذه المشاهد أتى من ميدان التحريرفي قلب القاهرة، وفي الساعات الأخيرة ليوم عصيب، شهد أوله هجوم الهجانة على ظهور الجمال، وشهدت ساعات ليله الأولى تطاير قنابل المولوتوف والحجارة، وأبت خاتمة ليله إلا أن تكون أقساها، فسقط من سقط بنيران قناصة لا يعرف أحد لهم إسماً حتى الآن، لكن المشهد الختامي لخص في يوم واحد صراع البشرية و أطوار الإنسانية، عندما وقف كل إنسان على الجانب الذي ارتضاه من الميدان، إما مهاجماً، أو مدافعاً. فاختار البعض أن يدافع عن المبادئ ، واختار البعض الآخر أن يدافع عن النظام، وكل من الفريقين رأى فيما فعله دفاعاً عن الوطن، كما يراه ويعرفه هو.
المشهد الآخر جاء من صنعاء، عندما وقف رئيس احترق بعض من جسده وبعض آخر من تاريخه، يناور ويراوغ للاحتفاظ بمنصبه، على رأس وطن لم يعد أحد فيه ينكر حقيقة أن أبناءه قد رفعوا السلاح في وجه بعضهم البعض، وهم قد قبلوا بذلك وارتضوه. وبين مناورات الساسة، وتعصب أهل القبائل، تتطاير القذائف وطلقات الرصاص، ويقف أبناء الوطن الواحد وجهاً لوجه وقد توارت صورته خلف خارطة المصالح المحلية تارة، وخلف المصالح الإقليمية والدولية تارة أخرى. فلم يعد أحد قادر على التمييز بسهولة بين من يدافع عن كرامة الإنسان، أو مصالح الوطن، أو أولئك الذين يدافعون عن رباط قبلي يرونه في أعينهم أكثر جدارة بالدفاع عنه من أي شاء آخر، أو حتى أولئك الذين لا يدافعون إلا عن مصالحهم الذاتية البالغة الضيق، و البالغة الأنانية إلى حد لا يصدق.
وآخر تلك المشاهد، ولن يكون الأخير بالمناسبة، أتى من ضواحي مدينة سرت الليبية، وفيه خرج زعيم سابق، متدثراً بعباءة الفجر، بغية البحث عن نقطة جديدة لمواصلة رحلته العبثية في استعادة السيطرة على أبناء شعبه، وهو الذي حرق جثثهم في بني غازي، وهاجمهم في مصراتة، واحتفظ بهم رهائن في طرابلس. فكان المشهد الأخير معبراً عن رحلة السقوط بأكملها، فطائرات الناتو – كعادتها – قصفت موكبه من الجو، ثم أتت قوات الثوار لتكمل المهمة على الأرض، ليكون مسك الختام مشهد اغتيال القذافي.
كل هذه المشاهد، وغيرها أيضاً، يربطها خيط أساسي، وهي أنها تأتي تعبيراً عن لحظة اختيار، يختار فيها الإنسان (والمواطن العربي) بين الانحياز للمباديء الأساسية التي تقوم عليها المواطنة و الوطن، وبين الانحياز الى حزمة المصالح التي تدفع باتجاه أهداف قد لا تخدم الوطن بقدر ما تخدم أفراد بعينهم. لحظة الاختيار هذه، والقرار الناتج عنها، هو ما يجب أن يكون في بؤرة اهتمام كل فرد شارك في هذه الثورات المندلعة، من الخليج إلى المحيط.
لماذا قامت تلك الثورات؟ ومن الذي يجب أن يكون في صدارة الإهتمام: الوطن أم الفرد؟ هل يثور المرء من أجل أشخاص ومصالح أم من أجل مباديء وأوطان؟ أين هي الخيارات الأخلاقية في كل جوانب المصاعب التي تواجه الأوطان و الشعوب، في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ المنطقة؟ كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابة فورية من جانب كل مواطن عربي على أرض المشرق، المليئة بالمتاعب، والحافلة أيامها القادمة بكل النذر.
فهذه الثورات لم تقم من أجل زيادةٍ في الرواتب، أو دعمٍ للمصالح الفئوية، أو تقديم قبيلة على أخرى، أو طائفة على أخرى، وبالتأكيد لم تقم من أجل الإنتقام أو التشفي، ولم ولا ينبغي لها أن تقوم لتحقيق أهداف خارجية أو مصالح إقليمية.

هذه الثورات قد قامت على القاعدة الأخلاقية التي بنيت عليها (الشخصية العربية)، بأبعادها الدينية والاجتماعية والتاريخية، وأي إلغاء أو تجاهل لهذه المباديء الأخلاقية ينتقص وبشدة من مصداقية أي ثورة، أو حتى أي حراك شعبي أو جماهيري.
فلا يمكن والحالة تلك، أن يتجاهل البعض أوجاع الوطن، وأن يلح في مطالبه الخاصة دون اعتبار للظروف على الأرض، والحاجة الماسة لإعادة البناء، خاصة في تلك الدول التي أرهقت اقتصادياتها نتيجة لاندلاع الثورة على أراضيها. فالمباديء الأخلاقية تقدم – ومن باب التضحية الواجبة – مصالح المجموعة على مصالح الفرد، وبالتالي فالمُنتَظر من الأفراد أن يبذلوا التضحية المطلوبة من أجل تمكين المجتمع – و بالتالي الوطن – للنهوض من جديد. وفي هذا الخضم أيضاً، فإن التركيز على إعادة بناء الوطن والمجتمع يحتم التأكيد على حقوق المجتمع الاساسية، في العيش بكرامة وحرية، وتأكيد الاستقلالية السياسية للمواطن، وحريته في التعبير عن أرائه واختيار من يمثله.
فالذين أطلقوا الرصاص في تلك الليلة المشئومة في قلب القاهرة، قد هاجموا أخوة لهم في الوطن، جل جرمهم أنهم كانوا يطالبون بحقهم العادل في العيش بكرامة وحرية وسلام. وما كان هذا ليحدث، لو أن الانحياز للمباديء الأخلاقية والسليمة هو عقيدة أساسية للمواطن، أياً كان موقعه وسلطته.

فالصراع الحقيقي في تلك الليلة، لم يكن حول إحكام السيطرة على ذلك الجسر أو ذاك المدخل في الميدان، بقدر ما كان صراعاً أخلاقيا حول الإختيار بين المباديء الأساسية والأهداف الخاصة.
وهذه الثورات أيضاً لم تقم لخدمة مصالح قبيلة ما، أو تحالف من القبائل على حساب أخرى. فالثورة لا يمكنها أن تبني وطناً لا يتشارك فيه أبناء الوطن بسواسية، وهي لا تحفظ مجتمعاً قد أحكمت الفرقة فيه بين أفراده، تبعاً لفوارق طبقية وقبلية لا تعترف بعدالة اجتماعية أو إنسانية، قوامها أن الناس سواسية كأسنان المشط. إن كل محاولات التسوية القائمة على أساس إعادة توزيع مراكز السلطة، طبقاً لتسويات قبلية جديدة، ما هي إلا استمرار لذات النهج القديم، والذي يلغي كينونة الدولة، كبناء يقوم على المؤسسات بشكل رئيسي، لصالح الدولة « الكرتونية » ذات الإطار السياسي والقانوني الهش.
والبديل الصحيح، هو بناء الدولة على مبادئ الحق والعدل والمساواة، وهو ما يستتبع بالضرورة أن يختار المواطن في مثل تلك الدول أن يقدم مصلحة الوطن على مصلحة القبيلة، والإقرار بأن دولة المؤسسات هي الأقدر على تحقيق العدالة الاجتماعية والإنسانية، من دولة تخضع لأهواء قلة من شيوخ القبائل الذين تتغير آراؤهم، بتغير مصالحهم وتحالفاتهم.
أما ما رأيناه في سرت، لا أحد يشكك في مدى إجرام القذافي ، والظلم الذي ألحقه بأفراد شعبه. وربما كان أشد ظلمه ضراوة – وهو ما لم يدركه الكثيرون – هو إبطاؤه لحركة التاريخ في بلده، والتدمير الذي ألحقه بالشخصية الوطنية، والتي كان من المفروض أن تتطور عبر أربعين عاماً أو يزيد من حكمه، وهذا لم يحدث .

لكن المشهد المؤلم لمقتله، لم يكن مؤلماً بسبب موت صاحبه، وإنما كان مؤلماً لتغليب ثورة الانتقام والتشفي على ثورة المبادئ والقيم.
هذا الصراع بين المباديء الأخلاقية والأهداف الذاتية، هو الجوهر الحقيقي لكل هذه الثورات، وهو ما عبر عنه أولئك الذين تشبثوا بقطع الصفيح في مداخل التحرير في مواجهة قناصة الليل – والذين خانوا أمانة الدفاع عن شعبهم يوم أن اختاروا إطلاق الرصاص عليهم -  وأولئك الذين وقفوا في مواجهة الظلم في طرقات تونس وبني غازي، وأولئك الذين يرفضون المساومة على مستقبل شعبهم في شعاب صنعاء لصالح الحلول القبلية.
إن أية ثورة في التاريخ لن يكتب لها النجاح إلا إذا استندت إلى قاعدة أخلاقية واضحة، و مباديء أساسية لا تقبل المساومة، عمادها الارتقاء بالإنسان والمجتمع في آن واحد. وهذه المباديء موجودة بالفعل في الإطار الديني والحضاري للأمة وشعوبها ، ولا تحتاج إلى صناعة أو حتى إعادة صياغة، لكنها تنتظر وتحتاج إلى رجال يطبقونها بكل حزم وأمانة، رجال لا تسوقهم مصالحهم الضيقة – شخصية كانت أم قبلية – ولا تقودهم رغبات الاستحواذ والسيطرة، ولا تسيطر عليهم شهوات الانتقام والثأر من ماضٍ أليم عاشوه وقاسوه.
ولكل ثورة جانبان، أحدهما يختص بهدم الماضي أو جزء منه، والآخر يختص ببناء المستقبل على أنقاض ذلك الماضي. وبما أن الثورة هي حراك من أجل التغيير، فلا معنى إذاً من قيامها إذا لم تنجح في تغيير الماضي إلى حاضر أفضل ومستقبل واعد.

والتغيير الحقيقي لا يكون في بناء المباني وشق الطرق وإقامة المصانع، بل في بناء الإنسان وقيمه ومثله وأخلاقه.

وإذا لم تنجح الثورة في تعليم أصحابها كيف ينحازون إلى المباديء و القيم الأخلاقية السليمة، وكيف يقدمون مصلحة شعوبهم وأوطانهم على مصلحتهم الذاتية، فلا خير فيها إذاً ولا في القائمين عليها. فالصراع من أجل غد أفضل هو صراع مباديء وأخلاق قبل أي شيء آخر، وما لم ندرك حقيقة ما نواجهه من تحديات، فإنه لن يكتب لنا النجاح في ارتقاء سلم التاريخ من جديد.

This post was written by:

- who has written 77 posts on DOUBLECREME.ch.


Contact the author

Leave a Reply

Buzz


La vidéo la plus détestée de youtube!


Pour comprendre des clowns japonais, pas besoin de parler leur langue.

Nuage de crème

ENTRE NOUS ET VOUS

DOUBLECREME:CH, site d'information participatif. Envoyez-nous vos informations et vos liens préférés.
Contactez-nous (rubrique: contact) pour proposer:articles, reportages, opinion, manifestations, fête, photos et vidéos...

Competition

octobre 2011
L Ma Me J V S D
« mai   avr »
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

Polls

Quel est votre budget pour votre déguisement de carnaval?

  • Aucun, je ne me déguise pas (48%, 23 Votes)
  • Moins de 20 francs (23%, 11 Votes)
  • Entre 20 et 50 francs (13%, 6 Votes)
  • Entre 50 et 80 francs (10%, 5 Votes)
  • Plus de 80 francs (6%, 3 Votes)

Total des votants: 48

Loading ... Loading ...